حين تنطق الأرض بالحقيقة •• قراءة موسعة داعمة لرؤية د. وسيم السيسي حول أسرار الأهرامات
في لحظة فارقة من تاريخ العلم والمعرفة يطل علينا الدكتور وسيم السيسي بمقاله بجريده المصرى اليوم ٢٨ مارس ٢٠٢٦ لكى يفتح أبواباً واسعة لإعادة النظر في واحدة من أعظم أسرار الحضارة الإنسانية أهرامات الجيزة وليس من قبيل المبالغة أن نقول إن ما طُرح يمثل دعوة جادة لتجديد الفكر الأثري والانفتاح على أدوات العلم الحديثة بعيداً عن الجمود الأكاديمي الذي قد يحجب عنا حقائق كبرى وربما يؤخر كشفها لسنوات طويلة .
إن ما عرضه العالم الإيطالي فيلبو بيوندي حول تقنية الرادار ذي الفتحة الصناعية (SAR) يمثل طفرة علمية غير مسبوقة إذ يتيح استكشاف أعماق الأرض حتى عدة كيلومترات دون تدخل بشري مباشر أو حفر تقليدي هذه التقنية التي أثبتت نجاحها في رصد الظواهر الجيولوجية المعقدة تفتح آفاقاً جديدة أمام علم الآثار خصوصاً في مواقع ذات حساسية تاريخية وعلمية مثل هضبة الجيزة حيث يصبح النظر إلى باطن الأرض ممكناً دون المساس بسلامة الأثر .
ما يلفت الانتباه في الطرح الذي دعمه الدكتور السيسي هو الاتساق بين المعطيات العلمية الجديدة وبعض التساؤلات القديمة التي طالما شغلت الباحثين وعلى رأسها
هل كانت الأهرامات مجرد مقابر؟
إن غياب المومياوات الملكية داخل معظم الأهرامات كما أشار إليه الأثري زكريا غنيم وواقعة الهرم الذي فُتح دون العثور على محتوى داخلي يفتح الباب أمام تساؤلات أخرى أكثر تعقيداً وعمقاً كما أن ما طرحه الباحث كريستوفر دان في كتابه التكنولوجيا المفقودة في مصر القديمة يعزز فكرة أن هذه المنشآت قد تكون ذات وظائف هندسية أو طاقه متقدمة وليست مجرد مدافن تقليدية كما استقر في الأذهان .
أما ما كشفته صور الرادار الحديثة من وجود تكوينات هندسية ضخمة تحت الأهرامات مثل المكعبات والأعمدة العميقة ذات الامتدادات الكبيرة فهو إن ثبت علمياً يمثل تحولاً جذرياً في فهمنا للبنية التحتية لهذه الصروح وهنا يجب التأكيد على أن المنهج العلمي الرصين لا يقوم على الرفض المسبق ولا على التسليم المطلق بل على الفحص والتجربة وإعادة التحقق .
وفي هذا السياق يبرز دور الباحث أرماندو مي الذي حاول الربط بين النصوص القديمة مثل بردية تورين وبين الاكتشافات الحديثة ورغم ما يحيط ببعض أبحاثه من جدل علمي مشروع إلا أن جهده يعكس ضرورة إعادة قراءة التراث القديم بعين علمية جديدة تستوعب أدوات العصر وتستفيد منها .
ومن هنا تتجلى أهمية الدور الوطني والعلمي الذي يقوم به المركز الدولي لعلوم الأهرام وأخلاقيات العلم الذي تبنى منذ تأسيسه منهجاً علمياً متجرداً في تناول علوم الأهرام قائماً على الجمع بين الدقة الأكاديمية والانفتاح المعرفي وقد أسس المركز رؤيته على ما يُعرف بالتاريخ العلمي لعلوم الأهرام والذي يشير إلى وجود مؤشرات بحثية متراكمة تدعم فرضية وجود بنى عميقة ضخمة قد ترقى إلى توصيف مدن تحت الأهرامات وهي فرضية تُطرح في إطار علمي منضبط يستوجب المزيد من البحث والتحقق باستخدام أحدث الوسائل التكنولوجية .
ويقود هذا الصرح العلمي نخبة وطنية مشرفة حيث يرأسه الأستاذ أحمد نصار أحد المتخصصين في علم المصريات وفي عضويته الدكتور وسيم السيسي والدكتور مسعد عويس ومعهم مجموعه من العلماء والباحثين والمتخصصين وأساتذة الجامعات المهتمين بعلم المصريات فيما يتولى الأمانة العامة لواء دكتور احمد زغلول مهران في نموذج يجمع بين الخبرة العلمية والرؤية الاستراتيجية ويعكس صورة مشرفة للتكامل بين التخصصات .
ولا يقتصر دور المركز على الطرح النظري بل يمتد إلى وضع أسس علمية حقيقية لتجميع المجتمع العلمي الدولي في مصر من خلال الاتى :
١- تبني منهج تكاملي يجمع بين علم الآثار التقليدي والتكنولوجيا الحديثة مثل الرادار المتقدم والاستشعار عن بُعد .
٢- خلق بيئة علمية جاذبة للحوار الدولي تستقطب الباحثين والخبراء من مختلف دول العالم .
٣- الالتزام الصارم بأخلاقيات البحث العلمي بحيث تبقى كل الفرضيات خاضعة للاختبار وكل النتائج قابلة للمراجعة .
٣- العمل على تحويل مصر إلى مركز عالمي لدراسة علوم الأهرام كما كانت عبر التاريخ منارة للعلم والمعرفة .
إن هذا التوجه لا يسعى إلى الصدام مع المدارس الأثرية التقليدية بل إلى تطويرها وإثرائها وإعادة دمجها في منظومة علمية أكثر شمولاً ومرونة فالعلم الحقيقي لا يُقصي بل يستوعب ولا يتجمد بل يتطور .
إن الإشكالية الحقيقية التي أشار إليها المقال لا تكمن في الاكتشافات ذاتها بل في مقاومة بعض المؤسسات الأكاديمية للتجديد فالعلم بطبيعته ديناميكي لا يعترف بالثوابت المطلقة وكل نظرية قابلة للمراجعة متى ظهرت أدلة جديدة ومن هنا فإن رفض استخدام تقنيات غير تقليدية في علم الآثار بدعوى الحفاظ على المنهج قد يحرم الإنسانية من اكتشافات قد تغيّر فهمنا للتاريخ .
إن دعمنا لما طرحه الدكتور وسيم السيسي لا يعني التسليم المطلق بكل النتائج بل يعني الإيمان بضرورة فتح المجال أمام البحث العلمي الحر واستخدام كل الأدوات المتاحة للوصول إلى الحقيقة فالحضارة المصرية لم تكن يوماً حضارة تقليدية بل كانت في طليعة الابتكار ومن الظلم أن نحاصرها داخل تفسيرات جامدة لا تواكب روح العصر .
فى نهاية ما سبق عرضه يتبين ان •• ما نحتاجه اليوم ليس صراعاً بين القديم والحديث بل تكاملاً واعياً بينهما فالحفر والتنقيب لهما دور لا يمكن إنكاره كما أن التكنولوجيا الحديثة تمثل أداة ثورية لا غنى عنها وإذا كانت الأرض قد بدأت تبوح بأسرارها كما قال عالمنا الجليل الدكتور السيسي فإن مسؤوليتنا العلمية تفرض علينا أن نصغي جيداً بعقل منفتح ومنهج رصين وإرادة لا تخشى الحقيقة .
عاشت مصر حضارةً تُدهش العالم وستظل كذلك ما دمنا نبحث عن الحقيقة ولا نخشاها ولا نتوقف عن السعى اليها .


